'ديوان المير'.. عندما يضحك الشعر في الجزائر

الشعر أيضا يلدغ، وتتحوّل قصائده إلى عقارب، ولكن سمّ الشعر يعلّمنا كيف نستطعم مراراتنا وكيف نباغت مآسينا من نوافذ الضحك المُلوّن.
كتبها: محمد ياسين رحمة
"الأزهر عجيري" شاعر جزائري كان يطلّ على القرّاء من خلال الجرائد الأسبوعية بقصائد موغلة في السخرية بلغة بسيطة ومرحة وكان يوقّع قصائده باسم "الفيروزي". وقد أصدر المجموعة الأولى من القصائد في "ديوان المير"، و"المير" هو شيخ البلدية أو رئيس البلدية، ترصّده الفيروزي ومارس عليه فنونا من السخرية والهزأ، حتى خلنا أن "المير" هو مجرد مهرّج في سيرك وليس "مُنتخبا" ينُوب عن الشعب في إدارة شؤون البلدية.

إذا كان "الأزهر عجيري" هو المواطن سيزيف الذي يدحرج صخرة اليوميات الثقيلة في متاهة مملكة الخوف والأكاذيب الممثلة في البلدية؛ فإن الفيروزي شاعر متحرر من لعنة الصخرة السيزيفية، يعيش الشعر ويحياه، يحاول النفاذ بروحه الشاعرة إلى كهوف الدخيلة الفردية، أين يأسر القارئ إرادته بالحياة ونشوة التعلق بالوجود، وهو يمارس النفاذ إلى جغرافيا القلق والخوف ليمسحها ويعيد اكتشافها فيثبت على أرضها راية التحرر ومغالبة الانهزامية، ولكنه نفاذ يكهرب خارطة الأعصاب ويحرّض الذات المتلقية أن تكسر كل المرايا التي ترسمها عاجزة، هو شاعر لا يبشّر بالرؤى الحالمة للخلاص المنتظر، وهو لا يقدم فتوى لرسم الواقع كما يجب أن يكون.

الفيروزي، لا يهدف إلى ملامسة العمق الوجداني، حتى لا يثير براكين الحزن فيمنح القارئ فرصة الاستسلام للشفقة والرثاء. وهو لا يرمي إلى إخضاع الذهن لعملية ترف وترفيه، تلبس فيها القصيدة فساتين بلاغية وتتزيّن بماكياج الألفاظ، وترقص على الإيقاع الشعري في حضرة المتلقي.

والفيروزي يرفض أن يكون ديوانه حفلة تنكرية تلبس فيها قصائده القناع والرمز، بل أراد لقصائده أن تكون شهود إثبات في محكمة شعرية، قاضيها شاعر آمن بوظيفة الشعر واكتشف مبكرا أنه ضمير شعبه، يختنق وتصدأ حباله الصوتية إذا لم يحدث ثقبا في مملكة الخوف والأكاذيب. والبلدية في ديوان "المير'' نموذج حيّ لمملكة الخوف والأكاذيب، هي أشبه بسجن كبير يفقد فيه المواطن إحساسه بيومه وغده، وتُستأصل منه شهوة الحلم ولذة التطلع إلى الأفق. هي مملكة تحول العمر إلى مجرد يوم تكراري في أجندة صفراء قابلة للمصادرة أو الاحتراق بلا سبب، وأمّا المير فهو كائن بشري، انتقل بضربة حظ، من ضفة الخوف والانحناء للوعود التي تسبق عواصف الفشل، إلى ضفة تُجنى فيها التخمة من شجرة الكسل ويُطبخ فيها الضحك العريض بالانتصار في قِدر المأساة اليومية لمواطن انهزامي أعزل من الإنسانية وإرادة الحياة.

إن"ديوان المير" هو غرفة للعمليات الجراحية، تُورط القارئ أن يكون الجرّاح الذي يُشرّح ذلك المير وتلك البلدية، لأن الشاعر اعتذر أن يُنتج موقفا أو يقدّم حلا أو يعرض تصورا لبلدية فاضلة فقد اكتفى بدور الكشّاف في المشهد الجراحي.

و"ديوان المير" هو رسم بالكلمات يعرض الواقع ولا يقيسه، يناوش ويشاكس، يسخر ويستفز، فقط ليفجّر حماسة الحياة ويدفع القارئ أن يخرج عن صمته ويتحدث بأدوات الجراحة على طاولة العمليات.

إن جهدا عقليا ونفسيا مرهقا تتطلبه عملية التواصل مع النص الشعري، وإن سدودا وعوائق تقوم دون تحقيق تواصل القارئ العادي مع الشاعر، لأن اللغة الشعرية فاتنة بطبعها، ساحرة بألفاظها تركب الإيقاع وتصدح بالشدو والغناء. وهي بهذه الخصوصية تترفع عن المتلقي العادي وتصبح مستعصية عليه، لكن شاعرنا اقتصد في اللغة وفي التفكير وامتطى البساطة، دون أن ينتهك حرمة اللغة في التركيب والمعنى، فخلق لغته الشعرية الخاصة التي تحتفظ ببعدي الترميز والإيحاء وتثير اللذة اللغوية، وحرّر لغة التواصل مع القارئ من افتتانها بنفسها ومن نرجسيتها، لما اعتمد لغة الحديث في بنية اللغة الشعرية.

ليس القارئ مضطرا أن يتسلل إلى مملكة الخوف والأكاذيب من خلال الثقب الذي أحدثه الفيروزي، لأن "ديوان المير" يمنحنا مفتاحا سحريا إذا ما أجبنا عن السؤال: هل الجماعة هي التي ترتقي بالمير أم المير هو الذي يرتقي بالجماعة؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق